عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
27
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
هذا النور متلاشية عند مشاهدة جلاله فخضعت عند ذلك لسلطان قهره وعزّة كبريائه واستشعرت عدمها عند وجوده ونقصها مع كماله ، فحصل لها باعتبار هذين الوصفين صفة المحبة التي هي ابتهاج يشوبه قهر ، ثم إن هذه الذوات لما استنارت بهذا النور الإلهي وغابت فيه عن ذواتها تكيّفت به إلى أن صارت كلها نورا محبة لذاتها ولبارئها . أما محبتها لذاتها فلما بها من نور الحق تعالى ولأنها هي الذوات الكاملة العارفة التي اختصّها الحق تعالى فإن الذي حصل لها ويحصل من كمال وجمال ووجود وبقاء فإنما هو من لدنه لا من ذاتها ، فصارت باعتبار ما بها من نور الحق تعالى سرجا منيرة محبّة لأنوار القدس معشوقة لمن دونها ، ثم سرى منها هذا الأمر إلى عالم النفوس الإنسانية التي هي كالزجاجة القابلة للنور بشدة صفائها وبما جعل فيها من القبول له فابتهجت بإدراكه وتصوّرها إياه في ذاتها بذاتها فقوي عشقها له لاتحادها به ، ثم إنها ألقت شعاع جمالها على صفحات أبدانها الآدمية المعتدلة التي هي في المثال كالمشكاة لهذا النور إذ هي تقبل النور ولا تنير ، وعند هذه الأبدان انتهى نور الجمال القدسي المعشوق للنفوس كما أن عند النفوس الإنسانية انتهت الأنوار الموجبة للمحبة ، إذ مجرّد الجسم لا يعرف فيحبّ ، فإن المحبة ثمرة المعرفة وإنما عدمت الأجسام إشراق النور الموجب للمحبة في ذاتها لأن ذاتها كثيفة ظلمانية غير متكيّفة بالنور بل هو فيها عارض فإذا جرّد عنها بقيت مظلمة : [ من البسيط ] كمّل بعشق جمال الكون نفسك إن * أردت تكشف سرّ العالمين معا فإنما النفس كالمرآة إن ظهرت * أرتك فيها جمال الكلّ منطبعا وجرّد الحسن عن ظلّ يقاربه * تدركه فيك بأفق النفس قد طلعا فاشهده منك وغب عما سواك تجد * في ضمن ذاتك معنى الكل قد جمعا فهذه نبذة يسيرة من شرح حقيقة المحبة لا يفهمها إلا من فهم سرّ معنى قوله تعالى : اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ [ النّور : الآية 35 ] . فالحق تعالى هو نور السماوات والأرض لا مثل له ولا ندّ ، لأن الكلّ منه وعنه ، ومثال الذوات العارفة الذين هم الملائكة المقرّبون المصباح والسراج لأنها منيرة مستنيرة ، ومثال النفس الإنسانية العارفة الزجاجة لصفائها وقبولها النور من غيرها ، ومثال الأجسام الآدمية المعتدلة المشكاة لانعكاس